السيد علي عاشور

23

موسوعة أهل البيت ( ع )

والفاروق كانا يسرّان النفاق ، واستدللتم بليلة العقبة ، أخبرني عنهما أسلما طوعا أو كرها ؟ قال سعد : فاحتلت لدفع هذه المسألة خوفا من الإلزام وحذرا من أني إن أقررت بطواعيتهما للإسلام احتجّ بأن بدو النفاق في القلب لا يكون إلّا عند القهر والغلبة وإظهار البأس الشديد في حمل المرء على ما ليس ينقاد له قلبه ، نحو قول اللّه عزّ وجلّ : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا . وإن قلت : أسلما كرها ، كان يقصدني بالطعن ، إذ لم يكن ثم سيوف منتضاة كانت تريهم البأس . قال سعد : فصدرت عنه مزورا قد تقطع كبدي من الكرب ، وكنت قد اتخذت طومارا وأثبت فيه نيفا وأربعين مسألة على أن أسأل فيها أحمد بن إسحاق صاحب أبي محمد عليه السّلام فارتحلت خلفه وقد كان قاصدا نحو مولانا بسرّ من رأى ، فلمّا تصافحنا قال : لخير لحاقك بي . قلت : الشوق ثم العادة في الأسئلة . فقال : وأنا قاصد إلى مولانا للسؤال . فوردنا سرّ من رأى فانتهينا إلى بابه عليه السّلام فأذن لنا بالدخول ، وكان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب فيه مائة وستون صرّة من الدنانير والدراهم على كل صرّة منها خاتم صاحبها . قال سعد : فما شبّهت مولانا أبا محمد عليه السّلام حين غشينا نور وجهه إلّا بدرا قد استوفى من لياليه أربعا بعد عشر ، وعلى فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر ، وعلى رأسه فرق بين وفرتين كأنه ( ألف ) بين ( واوين ) ، وبين يدي مولانا عليه السّلام رمانة ذهبية تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركبة عليها ، قد كان أهداها إليه بعض رؤساء البصرة وبيده قلم إذا أراد أن يكتب قبض الغلام على إصبعه . وكان عليه السّلام يدحرج الرمانة بين يديه ويشغله بردها لئلا يصدّه عن كتابة ما أراد عليه السّلام ، فسلّمنا عليه وألطف في الجواب وأومى إلينا بالجلوس . فلمّا فرغ من كتابة البياض أخرج أحمد بن إسحاق جرابه ووضعه بين يديه ، فنظر عليه السّلام إلى الغلام وقال له : « يا بني فض الخاتم عن هدايا شيعتك ومواليك » . فقال : « يا مولاي أيجوز أن أمدّ يدا طاهرة إلى هدايا نجسة وأموال رجسة قد شيب أحلها بأحرمها ؟ » فقال عليه السّلام : « يا بن إسحاق استخرج ما في الجراب ليميّز بين الأحل والأحرم منها » . فأول صرّة بدأ أحمد بإخراجها قال الغلام : « هذه لفلان ابن فلان من محلة كذا بقم تشتمل على الاثنين وستين دينارا ، فيها من ثمن حجيرة باعها صاحبها وكانت إرثا له من أبيه خمسة وأربعون